السيد الطباطبائي
289
تفسير الميزان
بالقرب منكم ؟ فقالت لهم : حتى يأتي إبراهيم ، فلما زارهم إبراهيم في اليوم الثالث قالت هاجر : يا خليل الله إن هيهنا قوما من جرهم يسئلونك : أن تأذن لهم ، حتى يكونوا بالقرب منا ، أفتأذن لهم في ذلك ؟ قال إبراهيم : نعم فأذنت هاجر لهم ، فنزلوا بالقرب منهم ، وضربوا خيامهم ، فأنست هاجر وإسماعيل بهم ، فلما زارهم إبراهيم في المرة الثانية نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بذلك سرورا شديدا ، فلما تحرك إسماعيل وكانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كل واحد منهم شاة ، وشاتين فكانت هاجر وإسماعيل ، يعيشان بها فلما بلغ إسماعيل مبلغ الرجال ، أمر الله إبراهيم : ان يبني البيت إلى أن قال : فلما أمر الله إبراهيم أن يبني البيت لم يدر في أي مكان يبنيه ، فبعث الله جبرئيل ، وخط له موضع البيت إلى أن قال فبنى إبراهيم البيت ، ونقل إسماعيل من ذي طوى فرفعه في السماء تسعة أذرع ، ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم ، ووضعه في موضعه الذي هو فيه الآن ، فلما بنى جعل له بابين بابا إلى الشرق ، وبابا إلى الغرب ، والباب الذي إلى الغرب ، يسمى المستجار ، ثم ألقى عليه الشجر والإذخر ، وألقت هاجر على بابها كساءا كان معها وكانوا يكونون تحته ، فلما بنى وفرغ منه ، حج إبراهيم وإسماعيل ، ونزل عليهما جبرئيل يوم التروية ، لثمان من ذي الحجة فقال : يا إبراهيم قم وارتو من الماء ، لأنه لم يكن بمنى وعرفات ماء ، فسميت التروية لذلك ثم أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم ، فقال إبراهيم لما فرغ من بناء البيت : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ، وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم الآية ) قال عليه السلام : من ثمرات القلوب ، أي حببهم إلى الناس ، ليستأنسوا بهم ، ويعودوا إليهم . أقول : هذا الذي لخصناه من أخبار القصة هو الذي تشتمل عليه الروايات الواردة في خلاصه القصة ، وقد اشتملت عدة منها ، وورد في اخبار أخرى : أن تاريخ بناء البيت يتضمن أمورا خارقة للعادة ، ففي بعض الأخبار ، أن البيت أول ما وضع كان قبة من نور : نزلت على آدم ، واستقرت في البقعة التي بنى إبراهيم عليها البيت ، ولم تزل حتى وقع طوفان نوح ، فلما غرقت الدنيا رفعه الله تعالى ، ولم تغرق البقعة ، فسمى لذلك البيت العتيق .